السيد عبد الأعلى السبزواري
134
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ [ سورة الحديد ، الآية : 20 ] ، والإنسان قرين هذه الشهوات والغرائز ، وقد يجتمع بعضها في سائر الحيوانات ، إلا أن الفرق بين الإنسان وغيره ، أن اللّه تعالى خلق الإنسان حيوانا عاقلا درّاكا مريدا ، وهذه من مختصّاته ولا توجد في غيره إلا على درجات ضعيفة ، فهو الذي يقدر على جمع القوى المتخالفة المتواجدة فيه ، ويجعلها تحت زمام العقل والإرادة المنبعثة من التعقّل والتفهّم والدرك الصحيح ، ولأجل ذلك صار الإنسان محور التكاليف الشرعيّة ومنشأ لإرسال الرسل وإنزال الكتب الإلهيّة ، وكلّ ما كانت القوة العاقلة هي الحاكمة في أفعال الإنسان وإحساساته وشؤونه ، كلّ ما كان أقرب إلى الكمال وأبعد عن الرذائل والفساد ، وأما إذا تغلّبت عليه إحدى القوى العاملة فيه ، كان أقرب إلى الفساد وأبعد عن الصلاح ، وللتكاليف الإلهيّة شأن كبير في تهذيب النفس وتأمير القوّة العاقلة على جميع الشهوات واستيلائها على غيرها ، ولذا كان لهذه القوّة شأن كبير في سلوك الإنسان وتهذيبه وإصلاحه ، سواء السلوك الفردي أم السلوك الجماعي ، ولكن ليست لسائر القوى المتواجدة في الإنسان السيطرة على سلوكه لوحدها ، وإن كان لها الأثر الكبير إن لم يقم الفرد في تهذيبها وإصلاحها بما يراه اللّه تعالى . وهذه الآية الشريفة ردّ على من زعم من أصحاب المدارس في علم النفس أن للجنس الأثر الكبير في سلوك الإنسان فردا أو جماعة ، وأن كبت تلك الشهوة توجب الأمراض النفسيّة والحرمان عن الملذّات ، ودعا إلى الإباحيّة في الجنس للتخلّص من هذه الأمراض ، وأعلن الحرب على التقاليد والأعراف المتوارثة والأحكام الشرعيّة التي تقيّد الجنس وتهذّبه ، وذهب إلى أن جميعها تورث العقد النفسيّة التي يصعب معالجتها وبرؤها ، إلى غير ذلك ممّا ينكره العقل والتجربة . وقد أثبت علماء النفس بطلان كثير ممّا ذهب إليه ، فالجنس كسائر الغرائز الموجودة في الإنسان إن لم تستعمل على الوجه الصحيح توجب الحرمان والكبت وسائر الأمراض الخلقيّة والنفسيّة ، وهذا هو الذي دعا إليه الإسلام .